أدب

قصة موسى والخضر

قصة موسى والخضر
بقلم:صالح الصادق سلطان الرشيدى

 

قصة موسى والخضر
ـ المشهد الثاني بدأ بعد نزول الخضر وموسى من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع غلمان، فأخذ رأسه بيده فاقتلعه، فأنكر عليه موسى هذا، قال تعالى: “فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا”، وهو إنكار متعمّد من موسى؛ لأن علمه شرعي عقلي، والشريعة تحرّم قتل النفس بغير حق، لكن علم الخضر أعمق، وقد يتعارض في ظاهره مع الشريعة.
ـ لما أنكر موسى تصرّف الخضر ذكّره الخضر بالاتفاق بينهما فاعتذر له موسى “قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا”، وهنا قال النبي: “رحم الله أخي موسى لو صبر لرأى من صاحبه العجب” لكنه عجّل.
ـ ثم بدأ المشهد الثالث بدخول القرية، “فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا”، دخلا قرية، فطلبا من أهلها الاستضافة، فرفضوا بُخلاً!! و(استطعما) يدل على شدة احتياجهما للطعام والضيافة؛ لأن العرف ألا يطلب الضيف ضيافة بل يرفض شاكرا
ـ رغم بخلهم وجد الخضر حائطا أوشك على الانهيار فهدمه وبناه دون أن يكلفه بذلك أصحاب الحائط، فلم يأخذ أجرا؛ لأن عمله تطوعي، فاعترض موسى على تصرّفه دهشة واستغرابا؛ لأنه قارن بين تصرّفه مع أهل السفينة الكرماء وتصرّفه مع أهل القرية البخلاء، وكأن لسان حاله يقول: أناس أكرمونا تخرق سفينتهم وأناس رفضوا ضيافتنا تبني لهم جداراً!!
ـ “يريد أن ينقض” تعبير مجازي؛ إذ ليس للجماد إرداة، لكنه كلام غير دقيق؛ فجميع المخلوقات لها إرادة وحركة، قال تعالى: “وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”، وكان النبي يسمع حنين الجذع وتسبيح الحصى في يديه، فإذا كان الجماد يمتلك تسبيحا أفلا يمتلك إرادة؟!
ـ سكت القرآن عن اسم القرية البخيلة؛ لأنها غير مقصودة في ذاتها، لكن قيل: هي أنطاكيا بتركيا، أو مدينة بالأندلس أو مدينة بـأذربيجان أو الناصرة، أو برقة، أو إيلات أو دمياط، والمرجّح أنها إيلات؛ فهى الأقرب إلى خليج العقبة.

مقالات ذات صلة

قصة موسى والخضر
تفسير الإحداث :
ـ كان اعتراض موسى نقطة الفصل بينه وبين والخضر، حيث قال الخضر: “هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ”، وقرّر الخضر تفسير الأحداث لموسى “سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا”.
ـ خرق السفينة: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا”، المرجّح أن السفينة كانت قادمة من مصر إلى بلاد الشام، واستندوا في ذلك إلى التاريخ العسكري المصري، حيث كانت مصر دولة بكل مقومات الدولة ولا سيما مقومات القوة العسكرية والأمنية، فلا يوجد قراصنة ولا لصوص يسطون على ممتلكات الآخرين، في حين كانت بلاد الشام أشبه بدُويلات يسيطر فيها القوي على الضعيف ظلما وعدوانا، ومنهم الملك!
ـ لماذا قال: “مساكين” ولم يقل: فقراء؟ الفقير أكثر احتياجا، فهو المعدوم المعتمد على عطايا الناس، أما المسكين فهو الذي يعتمد على عمله اليومي، و”لا تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، لكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطَن إليه فيُتصَدّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس”، وتعوّذ النبي من الفقر “اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومن عذاب القبر”، ومدح المسكين: “اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين”، فأصحاب السفينة مساكين يعملون يوميا في نقل الناس والبضائع سعيا على الرزق، ومع ذلك أكرموا موسى والخضر، فحملوهما بدون أجر، وهذا يدل على أن الكرم والبخل غير مرتبطين بالغنى والفقر.
ـ نسب الخضر الشر لنفسه فقال: (أردت أن أعيبها)، وخرق السفينة ليعيبها؛ فيتركها الملك، و”درء مفسدة كبرى بمفسدة صغرى” أمر جائز شرعا، والسياق يقتضي أن في النص تقديما وتأخيرا (كان وراءهم .. فأردت) وأن الملك كان ظالما، وأنه كان يأخذ السفن الصالحة، ففي النص وصف محذوف، أي “ملك ظالم” و”سفينة صالحة”، وحذف الوصف أو الموصوف أسلوب مألوف في القرآن شريطة أن يُفهَم من السياق.
ـ قتل الغلام: “وأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا”، رجّح العلماء أن الولد كان كافرا، ولست معهم، فهو أقرب إلى الإيمان؛ لأن موسى وصفه بالطهارة: “أقتلت نفسا زكية بغير نفس”، فالزكاة طهر والطهر لا يُنعَت به الكافر، فالغالب أنه كان مؤمنا، لكن الخضر علم من الله أنه سيكْفُر ويُكفّر أبويه، فقتله، وهذا التصرف من الخضر خاص بشريعته هو؛ إذ تأباه شريعة موسى والشريعة الإسلامية.
ـ والتعبير (فخشينا) يردّ الخشية إلى الله والخضر معا، وهي من الخضر مقبولة، لأنه بشر، لكنها لا تقع من الله؛ ومن ثم فالأقرب أن (خشينا) بمعنى (كرهنا)، والطغيان: التجبّر والاعتداء، والتعبير “فأردنا أن يبدلهما ربهما” يشير إلى أن الإرادة لله والخضر، والإبدال لله وحده؛ لأنه هو القادر على ذلك، وقوله: “خيراً منه زكاة وأقرب رحماً” أي أفضل منه طُهرا وأرحم بأبويه منه، وكلمة (خيرا) صيغة تفضيل تفيد مشاركة الطرفين في الصفة، فهي ترجح أن الغلام كان مؤمنا، ويقال: إن والديه رزقهما الله بنتا تزوجت نبيا وأنجبت نبيا، فصار صهرهما نبيا وحفيدهما نبيا.
ـ بناء الجدار: “وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ”، بيّن الخضر أن الجدار ليتيمين صغيرين، وتحته كنز تركه والدهما لهما، فهدم الجدار وبناه بشكل يجعله ينهدم حينما يبلغان أشدّهما فيدافعان عن كنزهما، وحفظ الكنز بسبب صلاح الأب؛ فالله يتولى الصالحين، وتصرّف الخضر لم يكن خيرا لأهل القرية كما تصوّر موسى، لكن كان حماية للصغيرين منهم، فلو سقط الجدار لظهر الكنز فأخذوه عنوة منهما.
ـ وصف القرآن البلد بأنه قرية ثم وصفها بأنها مدينة، وهي مدينة؛ لأن القرآن أطلق على المدينة اسم “قرية”، كقوله: “رجل من القريتين عظيم” أي مكة والطائف وهما مدينتان، ولم يصنع العكس
ـ قوله: “وما فعلته عن أمري” يشير إلى أن الخضر نسب العلم لله، وفي ذلك تواضع منه ودرس لموسى ولنا.
ـ قوله: “تستطع” و”تسطع”، في “سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا” و”ذلك تأويل مالم تسطع عليه صبرا”، كلاهما بمعنى واحد، لكن الأول أثقل يناسب موقف موسى من الأحداث الثقيلة على نفسه في تقبّلها، وبعد تفسيرها صارت خفيفة عليه، فجاء الفعل سهلا في النطق؛ ليناسب إحساسه بها بعد تفسيرها.
* القصة تكشف أنه قد يكون في الشر خير، وفي الخير شر؛ ولذا قال الله: “ونبلوكم بالشر والخير فتنة”، ولا شر خالصا إلا النار، ولا خير خالصا إلا الجنة.

قصة موسى والخضر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى